فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
أبي : لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر ، فنزلت هذه الآية ، ومعنى لا تتخذوهم أولياء : أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم ، ولا تتوددوا إليهم . ثم قال : * ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) * قال ابن عباس : يريد كأنه مثلهم ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانية المخالف في الدين ، ونظيره قوله * ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) * ( البقرة : 249 ) . ثم قال : * ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) * روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن لي كاتباً نصرانياً ، فقال : مالك قاتلك الله ، ألا اتخذت حنيفاً ، أما سمعت قول الله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) * قلت : له دينه ولي كتابته ، فقال : لا أكرمهم إذا أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله ، قلت : لا يتم أمر البصرة إلا به ، فقال : مات النصراني والسلام ، يعني هب أنه قد مات فما تصنع بعده ، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره . ثم قال تعالى : * ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) * وأعلم أن المراد بقوله * ( الذين في قلوبهم مرض ) * المنافقون : مثل عبد الله بن أبي وأصحابه ، وقوله * ( يسارعون فيهم أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران ، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم ، ويقول المنافقون : إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة . قل الواحدي رحمه الله : الدائرة من دوائر الدهر كالدولة ، وهي التي تدور من قوم إلى قوم ، والدائرة هي التي تخشى ، كالهزيمة والحوادث المخوفة ، فالدوائر تدور ، والدوائل تدول . قال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك . ثم قال تعالى : * ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) * . قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى : فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار